بدعوة من السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، يودّ التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (الأرسيدي) أن يقدّم للرأي العام التوضيحات التالية بشأن المراسم التي نظمتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات والمتعلقة بعملية القرعة الخاصة بتوزيع الحصص الزمنية المخصصة للمترشحين على القنوات التلفزيونية والإذاعات العمومية، وكذا التوقيع على ميثاق للأخلاقيات الانتخابية.
لقد شارك الأرسيدي في هذه المراسم انسجاماً مع التزامه الدائم بالدفاع عن حقه في المشاركة في المنافسة الانتخابية، رغم العراقيل الإدارية والسياسية العديدة التي طبعت مختلف مراحل المسار الانتخابي منذ انطلاقه.
غير أن الحزب يذكّر بأن توزيع الحصص الزمنية في وسائل الإعلام العمومية مرتبط مباشرة بعدد القوائم التي تم اعتمادها. والحال أن الجميع يلاحظ اليوم أن الأرسيدي كان هدفاً لسلسلة من العراقيل التي قلّصت بشكل كبير من قدرته على تقديم قوائم في عدد من الدوائر الانتخابية، في حين بدا أن تشكيلات سياسية أخرى استفادت من معاملة أكثر تفضيلاً.
ويؤكد هذا الوضع مرة أخرى أن المساس بنزاهة الانتخابات لا يقتصر على يوم الاقتراع، بل يتجلى في كل مراحل العملية الانتخابية: عند تشكيل القوائم، وعند دراسة ملفات الترشح، وعند البت في الطعون، وها هو يمتد اليوم إلى شروط الوصول إلى وسائل الإعلام العمومية.
وعليه، فإن الادعاء بضمان المساواة بين المتنافسين في مرحلة الحملة السمعية البصرية فقط يعكس تصوراً اختزالياً ومضللاً لمفهوم الإنصاف الانتخابي.
يسجل الأرسيدي بقلق بالغ أن 001 بالمائة من الطعون التي تقدمت بها قوائمه قد رُفضت. ولم يحصل أي مترشح من الحزب تم إقصاؤه ظلماً على أي إنصاف. فقد رُفضت ملفات دون تقديم توضيحات واضحة، وتم إقصاء مترشحات ومترشحين بشكل مفاجئ، كما جرى في العديد من الحالات تقليص الآجال إلى درجة جعلت ممارسة حق الطعن الفعلي شبه مستحيلة.
إن هذا الوضع لا يمثل مجرد خلل إداري عابر، بل يكشف عن اختلال عميق يمسّ مجمل العملية الانتخابية. وهذا التشخيص لا يصدر عن الأرسيدي وحده، بل أصبح اليوم محل تقاسم من قبل ملاحظين عديدين ومسؤولين سياسيين من مختلف التوجهات، فضلاً عن عدد كبير من المختصين في القانون الذين يحذرون من انزلاق خطير ومن تراجع تدريجي للضمانات الأساسية لدولة القانون.
إن جوهر المسألة بسيط.
فلا أحد يعترض على ضرورة حماية الانتخابات من المال الفاسد والفساد وشبكات التأثير الخفية، فذلك يندرج ضمن مقتضيات الشفافية الديمقراطية والمصلحة العامة.
لكن هناك حدوداً لا يمكن لأي دولة قانون أن تتجاوزها، وهي استبدال الدليل بالشبهة، والقضاء بالإدارة، وقرينة البراءة بالتعسف السياسي.
فالشبهة ليست إدانة.
ولا يجوز حرمان أي مواطن من حقوقه السياسية استناداً إلى ادعاءات أو تقديرات إدارية أو معايير غامضة لا تخضع لأي نقاش تناقضي. ومع ذلك، يبدو أن هذا ما يحدث اليوم على نطاق يدعو إلى القلق.
وتؤكد السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أن قرارات الإقصاء لا تستند فقط إلى المادة 002، وإنما كذلك إلى شروط قانونية أخرى تزعم أن بعض المترشحين لم يستوفوها.
حسناً.
لكن إذا كانت الأسباب موضوعية وقانونية ولا يرقى إليها الشك، فلماذا لا تُعلن للرأي العام بكل دقة ووضوح؟ ولماذا يكتشف عدد كبير من المترشحين إقصاءهم دون تقديم تبريرات مفصلة؟ ولماذا هذا الغموض الممنهج؟ ولماذا هذا التسرع قبل أيام قليلة فقط من استحقاقات انتخابية كبرى؟
في كل ديمقراطية تحترم نفسها، تقوم الثقة في الانتخابات على شفافية الإجراءات، والمساواة في معاملة المترشحين، واحترام الضمانات الدستورية.
غير أن هذه الثقة تعرضت بالفعل لهزات عميقة بفعل سنوات من الغلق السياسي والإقصاءات الإدارية والتضييق على التعددية والاستمرار في تقليص الفضاء العام. والاستمرار في هذا النهج لا يؤدي إلا إلى توجيه ضربة إضافية لمصداقية المؤسسات وإبعاد المواطنين أكثر فأكثر عن صناديق الاقتراع.
ويرى الأرسيدي أن الرفض الجماعي الذي طال مترشحيه عبر مختلف أنحاء الوطن لا يمكن تفسيره بمجرد اعتبارات إدارية أو قانونية. فطابعه الممنهج واتساع نطاقه وغياب المعاملة المنصفة للطعون يبرر التساؤل المشروع حول وجود تدخلات خارج الأطر القضائية والدستورية تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي بصورة مصطنعة وإنتاج تمثيل وطني يتوافق مع تطلعات السلطة أكثر مما يعكس الإرادة السيادية للمواطنين.
ومن شأن هذا التوجه أن يستبدل المنافسة الديمقراطية بمنطق الانتقاء السياسي الذي يفضل الأحزاب المطيعة والقابلة للتطويع على حساب القوى السياسية المستقلة والناقدة وذات التمثيل الحقيقي.
ومن جهة أخرى، وبعد انتهاء المراسم التي نظمتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، دُعي ممثلو الأحزاب السياسية إلى التوقيع على ما سُمّي بميثاق انتخابي تم إعداده دون أي تشاور مسبق.
فلم تُشرك الأحزاب في صياغته، ولم تتح لها فرصة الاطلاع عليه بجدية وفي ظروف مناسبة قبل مطالبتها بالمصادقة عليه فوراً.
وأمام هذه المقاربة غير المقبولة، رفض الأرسيدي التوقيع على هذا الوثيقة. وكان الحزب الوحيد الذي عبّر بوضوح عن رفضه لميثاق يمسّ، تحت غطاء تنظيم الحملة الانتخابية، بحريات أساسية يكفلها الدستور.
فهذا الميثاق يسعى إلى منع أي نقد جوهري لحصيلة الحكومة والسياسات العمومية المنتهجة خلال السنوات الأخيرة، بل وحتى لبرامج وممارسات الأحزاب المشاركة في المنافسة الانتخابية.
إن مثل هذا التصور يفرغ الحملة الانتخابية من مضمونها.
فالانتخابات الديمقراطية ليست عملية تواصل مؤسساتي تهدف إلى إنتاج خطاب موحد، بل هي فضاء لتصارع الأفكار وتقييم الحصائل والنقاش التعددي والاختيار الحر للمواطنين.
إن التوقيع على مثل هذا الميثاق يعني القبول بحملة انتخابية معقمة يُحرم فيها المترشحون من حقهم في انتقاد أوجه القصور في الحوكمة والانحرافات المؤسساتية والانتهاكات التي تمس الحقوق والاختلالات التي تعاني منها الحياة العامة.
إن الأرسيدي لن يقبل أبداً بالتخلي عن مبادئه أو تزكية أي آلية تهدف إلى تحويل النقاش الديمقراطي إلى مجرد تمرين على الامتثال السياسي.
فحرية التعبير والتعددية السياسية وحق المعارضة وحق النقد وحق المواطنين في الحصول على معلومات متناقضة ومتوازنة تمثل مبادئ أساسية لا يمكن تحييدها عبر ميثاق إداري مفروض دون تشاور.
ومع اقتراب موعد اقتراع الثاني من جويلية، يذكّر الأرسيدي بأن الثقة الشعبية لا تُفرض بقرار، ولا تُبنى بالإقصاءات الجماعية ولا بالغموض ولا بتعميم الشبهة، وإنما تُبنى بالشفافية واحترام القانون والتعددية السياسية والمساواة أمام القانون.
وإذا استمر تفريغ الانتخابات من روحها الديمقراطية، فإن فكرة التمثيل الشعبي نفسها ستتعرض للتشكيك. وعندما يفقد الشعب ثقته في جدوى صوته، فإن شرعية المؤسسات ذاتها تصبح مهددة.
وتعبر القيادة الوطنية للأرسيدي وكافة مناضليه عن تضامنهم الكامل مع جميع المترشحات والمترشحين الذين تم إقصاؤهم ظلماً من هذه الانتخابات. كما يحيي الحزب التزامهم وشجاعتهم وكرامتهم في مواجهة قرارات يعتبرونها جائرة وعميقة الظلم.
ويجدد الأرسيدي لهم ثقته وتقديره، مؤكداً أن إقصاءهم الإداري لا يمكن أن يمحو شرعيتهم السياسية ولا الدعم الشعبي الذي يمثلونه. فمعركتهم هي معركة الحزب بأكمله، وهي أيضاً معركة كل من يرفض الاستسلام ويواصل الدفاع عن جزائر ديمقراطية وتعددية تحترم الحريات والسيادة الشعبية.
ويدين الأرسيدي بقوة هذا التمييز المستمر وكل الممارسات التي تمسّ بمبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين السياسيين، ويجدد عزمه على مواصلة نضاله الديمقراطي والدفاع عن حق المواطنين في اختيار سياسي حقيقي، ومواصلة المطالبة بتوفير شروط منافسة انتخابية حرة وشفافة وتعددية وعادلة.
الجزائر، 7 جوان 2026
التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (الأرسيدي)









