تتابع الأمانة الوطنية لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (DCR)، ببالغ الانشغال، ما يشهده قطاع التربية الوطنية من اختلالات متفاقمة، تمسّ جوهر التكوين، وتضرب مبدأ المساواة بين موظفي القطاع، وتُفرغ النصوص القانونية من مقاصدها المعلنة.
لقد أضحت منظومة التكوين في وزارة التربية الوطنية تعاني هشاشة بنيوية واضحة، أساسها النقص الحاد في الأساتذة المكوّنين المؤهّلين، إلى جانب التعويضات الزهيدة الممنوحة للمكلّفين بمهام التكوين، والتي لا تتجاوز في أغلب الحالات 003 دينار جزائري للساعة، وهو ما لا يعكس لا حجم المسؤولية ولا القيمة العلمية والبيداغوجية لهذه المهمة، ويؤدي عمليًا إلى عزوف الكفاءات عن أداء هذا الدور المحوري.
وفي ظل هذا الواقع، انحرف التكوين عن أهدافه الأصلية، ليصبح في كثير من الحالات إجراءً إداريًا شكليًا، يُقصد به فقط استكمال الشروط الشكلية لتمرير الملفات على مصالح الوظيفة العمومية والرقابة المالية، دون أثر فعلي على المستوى العلمي أو التربوي للمتكوّنين، الذين يعودون إلى مناصبهم دون رصيد معرفي أو مهني حقيقي.
كما تسجّل الأمانة الوطنية بقلق بالغ أن القانون الخاص بموظفي التربية الوطنية رقم 45/52، ورغم طابعه القطاعي، يتضمن تناقضات داخلية صريحة تمسّ بمبادئ قانونية ودستورية أساسية.
إذ يمنح هذا القانون، في مواده الأولى، حقوقًا مهنية واضحة لبعض الأسلاك، ثم يعود في مواد لاحقة ليقيّدها أو ينقضها، بما يخلّ بمبدأ الأمن القانوني، ويفتح المجال لتطبيقات انتقائية وتمييزية.
ومن أخطر مظاهر هذا الخلل، فرض تكوين قبل الإدماج على رتب مفتش التوجيه المدرسي ومفتش التغذية المدرسية، رغم أن الالتحاق بهاتين الرتبتين تمّ:
عن طريق امتحان كتابي وطني،
متبوعًا بـ تكوين لمدة سنة كاملة،
تُوّج بالنجاح بمحاضر رسمية مصادق عليها من وزارة التربية الوطنية والوظيفة العمومية،
ومؤشَّر عليها من طرف المراقب المالي.
في مقابل ذلك، تُسجَّل معاملة قانونية مغايرة لرتب أخرى لها نفس المسار المهني، على غرار مفتش التعليم الابتدائي تخصص إدارة، الذي لم يُفرض عليه أي تكوين قبل الإدماج، رغم تطابق شروط الترقية والمسار الوظيفي، وهو ما يشكّل تمييزًا غير مبرر بين موظفين ينتمون إلى نفس السلك وينحدرون من نفس الرتبة الأصلية.
إن هذا التمييز يتعارض صراحة مع المادة 73 من الدستور الجزائري، التي تنص على أن:
«المواطنون متساوون أمام القانون، ولا يمكن أن يُميَّز بينهم بسبب أي شرط أو ظرف.»
كما يتنافى مع المبادئ العامة التي تحكم الوظيفة العمومية، والتي تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص بين الموظفين ذوي الوضعيات القانونية المتماثلة.
وفي السياق ذاته، تذكّر الأمانة الوطنية بأن القانون التعويضي أقرّ في مواده الأولى منحة الأداء التربوي بنسبة 54% لفائدة جميع الأسلاك المنحدرة من رتبة أستاذ، غير أن التطبيق الفعلي جاء ليُقصي رتب التفتيش المذكورة، رغم انحدارها المباشر من رتبة أستاذ، في خرق واضح لمبدأ المساواة والإنصاف.
كما تعبّر الأمانة الوطنية عن رفضها للوضعية التي وُضع فيها أساتذة المدارس العليا، الذين تلقّوا تكوينًا أكاديميًا عالي المستوى داخل مؤسسات متخصصة، ثم أُلزموا لاحقًا بالخضوع لتكوين إضافي للحفاظ على رتبهم أو للترقية، داخل معاهد تعاني من ضعف الإمكانيات وشحّ الموارد، وغير قادرة على توفير تأطير علمي يوازي مستوى تكوينهم، وهو ما يُعدّ مساسًا بكرامتهم المهنية وبقيمة التكوين العالي في حد ذاته.
إن الأمانة الوطنية لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية تؤكد أن إصلاح قطاع التربية الوطنية لا يمكن أن يتحقق عبر:
تكوين شكلي فاقد للمحتوى،
أو نصوص قانونية متناقضة،
أو ممارسات تمييزية بين موظفي القطاع الواحد.
وإنما يتطلب ذلك مراجعة عميقة للقانون 25/54، بما يضمن:
احترام الدستور،
تكريس مبدأ المساواة،
تثمين الكفاءات،
وإعادة الاعتبار للتكوين كأداة حقيقية للارتقاء بالمدرسة الجزائرية.
عن الأمانة الوطنية لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية
الأمين الوطني المكلّف بالتربية
بن الصيد عثمان.
الجزائر 20 جانفي 2026




















